سيد محمد طنطاوي
43
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقوله - تعالى - : * ( إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ) * بيان لأحوالهم الطيبة ، بعد بيان أحوال الكافرين السيئة . والشغل : الشأن الذي يشغل الإنسان عما سواه من الشؤون ، لكونه أهم عنده من غيره ، وما فيه من التنكير للتفخيم ، كأنه قيل : في شغل أي شغل . وفاكهون . أي : متنعمون متلذذون في النعمة التي تحيط بهم ، مأخوذ من الفكاهة - بفتح الفاء - وهي طيب العيش مع النشاط . يقال : فكه الرجل فكها وفكاهة فهو فكه وفاكه ، إذا طاب عيشه ، وزاد سروره ، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة بذلك لتلذذ الإنسان بها . أي : يقال للكافرين في يوم الحساب والجزاء زيادة في حسرتهم - إن أصحاب الجنة اليوم في شغل عظيم ، يتلذذون فيه بما يشرح صدورهم ، ويرضى نفوسهم ، ويقر عيونهم ، ويجعلهم في أعلى درجات التنعم والغبطة . وعبر عن حالهم هذه بالجملة الاسمية المؤكدة ، للإشعار بأن هذه الحال ثابتة لهم ثبوتا تاما ، بفضل اللَّه - تعالى - وكرمه . ثم بين - سبحانه - جانبا من كيفية هذا التمتع بالجنة ونعيمها فقال : * ( هُمْ وأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ) * . و « هم » مبتدأ ، و « أزواجهم » معطوف عليه . و « متكئون » خبر المبتدأ . قال الإمام الرازي . ولفظ الأزواج هنا يحتمل وجهين : أحدهما : أشكالهم في الإحسان . وأمثالهم في الإيمان ، كما قال - تعالى - : وآخَرُ مِنْ شَكْلِه أَزْواجٌ . وثانيهما : الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل ، كما في قوله - تعالى - : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ . . . « 1 » . ويبدو أن المراد بالأزواج هنا : حلائلهم اللاتي أحلهن اللَّه لهم ، زيادة في مسرتهم وبهجتهم ، وعلى هذا سار عامة المفسرين . والظلال : جمع ظل أو ظلة ، وهي ما يظل الإنسان ويقيه من الحر . والأرائك : جمع أريكة وهي ما يجلس عليه الإنسان من سرير ونحوه للراحة والمتعة . أي : أن أصحاب الجنة هم وحلائلهم يجلسون على الأرائك متكئين في متعة ولذة .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 100 .